الشيخ محمد رشيد رضا
143
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أن يكون كل إناثها حراما وان كان حرم اللّه تعالى ما اشتملت عليه أرحام الإناث وجب تحريم الأولاد كلها لان الارحام تشتمل على الذكور والإناث . وتعقبه بأنه بعيد جدا لان لقائل أن يقول هب ان هذه الأجناس الأربعة محصورة في الذكور والإناث الا انه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو غير ذلك من الاعتبارات كما إذا قلنا إنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الاكل فإذا قيل إن ذلك الحيوان ان كان قد حرم لكونه ذكرا وجب أن يحرم كل حيوان ذكر وان كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى ولما لم يكن هذا الكلام لازما عليه فكذا هو الوجه الذي ذكره المفسرون . ثم ذكر في الآية وجهين من عنده وفيما ذكرنا غنى عن نقلهما ، ومن الناس من زعم أن المراد من الأنثيين في الضأن والمعز والب : الأهلي والوحشي ، وفي الإبل : العربي والبختي ، وهو مما لا ينبغي أن يلتفت اليه ، وما روي عن ليث بن سليم لا يدل عليه وقول الطبرسي انه المروي عن أبي عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه كذب لا أصل له وهو شنشنة أعرفها من أخزم اه وأقول إن قول الرازي ان علة تحريم ما حرموا من الانعام هي كونها بحيرة أو سائبة أو أوصيلة لا كونها ذكرا أو أنثى أو حملا لها - فيه ان الانكار عليهم في جعلهم إياها كذلك كما هو صريح آية المائدة فهو جهل لا يعقل أن يكون علة للتحريم فالحرام منه مثل الحلال ، وما ذكر في التفصيل في الانكار يذكر المفكر المستقل ، بأن ما قالوه عين الجهل ، وهو ما انفردنا ببيانه آنفا وقوله ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا ؟ ) بعد تعجيزهم عن الاتيان بعلم يؤثر عن أحد من رسل اللّه بتحريم ما زعموا ألزمهم هنا ادعاء تحريم اللّه إياه عليهم بوصية سمعوها منه لان العلم عن اللّه إما أن يكون برواية رسول له يخبر بوصية عنه أو بتلقي ذلك منه سبحانه وتعالى بغير واسطة رسول ، والشهداء هم الحضور المشاهدون للشيء وهو جمع شهيد . والمعنى أعندكم علم يؤثر عن أحد من رسل اللّه فنبئوني به أم شاهدتم وبكم فوصاكم بهذا التحريم كفاحا بغير واسطة ؟ وهم لا يدعون هذا ولا ذاك وانما يفترون على اللّه الكذب بدعوى التحريم افتراءا مجردا ما من كل علم ويقلد بعضهم بعضا في قوله ان اللّه أمرهم بتحريم ما حرموا واقتراف كلما افترقوا كما قال تعالى فيهم ( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا